بقلم/ الاستاذ الرشيد هرون الرشيد

يحلُّ هذا العام الذكرى السبعون لاستقلال السودان، وهي مناسبة لتكريم تضحيات الآباء المؤسسين، وإعادة تقييم مسيرة سبعة عقود من بناء الدولة الحديثة. فبينما مثّل الاستقلال إنجازاً تاريخياً راسخاً في إقامة دولة ذات سيادة، تُكشف القراءة النقدية عن مسيرةٍ تعثرت في تحقيق وعود الحرية والعدالة والمساواة التي ناضل من أجلها الأجداد.
منذ اللحظة التأسيسية، وقع السودان في فخ المركزية المفرطة، فاحتُكِرت السلطة والثروة، وأقصيِّت الأقاليم، وتعرّض تنوعه الثقافي والاجتماعي والديني للإقصاء والتشويه.
لم تكن الانقلابات العسكرية المتكررة والحروب الأهلية المدمرة – من جنوب السودان الى دارفور إلى جبال النوبة والنيل الأزرق – أحداثاً عابرة، بل كانت نتيجة حتمية لفشلٍ بنيوي في بناء دولة تحقق المواطنة المتساوية بعد رحيل المستعمر.
لقد غاب العدل والمساواة، وحلّ الامتياز محل الحق، مما حوّل الاستقلال من حلمٍ بالتحرر إلى عبء تاريخي ثقيل على الدولة.
في هذا السياق، برزت *حركة العدل والمساواة السودانية الجديدة (نيو جيم)* كتعبيرٍ سياسي وثوري نضالي عن هذا الاختلال الهيكلي، ومحاولة لتصحيح المسار. تنطلق الحركة من قناعة راسخة بأن الاستقلال الحقيقي لا يكتمل إلا بإقامة دولة المؤسسات، التي تقوم على توزيع عادل للموارد، وبسط الحريات العامة، والتداول السلمي للسلطة، ومساواة جميع المواطنين أمام القانون. وتستند الحركة إلى مواقف وطنية ثابتة تتمثل في:
· ناء دولة مدنية ديمقراطية تحترم التنوع والتعدد.
· إعادة هيكلة مؤسسات الدولة وتطويرها على أسس عادلة لإنهاء التهميش السياسي والاقتصادي.
· تحقيق العدالة الانتقالية و وضع حد للإفلات من العقاب.
يواجه السودان في هذه المرحلة تحديًا وجوديًا يتمثّل في الحفاظ على وحدة الدولة وسيادتها، واستعادة الأمن والاستقرار. وفي مواجهة هذا التحدي، يصبح دعم مؤسسات الدولة والالتزام بشرعيتها الدستورية واجبًا وطنيًا لا يقبل التأويل أو المساومة. لذلك، يتحتم على جميع القوى السياسية والمجتمع الالتفاف حول هذه المؤسسات، والعمل على إصلاحها وتطويرها من داخلها، لا تقويضها أو استبدالها بمشاريع فوضوية. إن المسؤولية الوطنية في هذه اللحظة الفارقة تقتضي الدفاع عن الإطار الدستوري للدولة، مع السعي الجاد لتجديد مضمونه ليكون أكثر عدلاً وشمولاً وتمثيلاً.
لذلك، تُجدّد حركة العدل والمساواة الجديدة التزامها بالعمل من أجل سودان واحد، ذي سلطة شرعية وجيش وطني واحد.
إن الإصلاح المنشود يجب أن ينبثق من رحم المؤسسات القائمة، ويتم بحماية جميع أبنائها، وفاءً لتضحيات الماضي والحاضر، وضماناً لمستقبل مستقر. فالأزمة الراهنة، رغم قسوتها، تفتح نافذةً لإعادة التأسيس الوطني، شرط توفر الإرادة السياسية والاعتراف الجذري بأسباب الأزمة.

وفي قلب هذا المشروع الوطني، تحتل مشاركة الشباب مكانة محورية، إذ يشكلون القوة الدافعة للتغيير الايجابي والإبداع والبناء.
يجب تمكين الشباب وتأهيلهم سياسياً و ثقافياً وقيادياً، وفتح مساحات حقيقية لهم في صنع القرار، والاستثمار في طاقاتهم وأفكارهم المتجددة والمبتكرة.
فمستقبل السودان يرتهن بقدرته على تحويل طاقة شبابه من قوة معطلة إلى رأس مال بشري فاعل، يقود عملية التحول الديمقراطي والتنمية المستدامة.

في الذكرى السبعين لاستقلال السودان، يجب أن تكون هذه المناسبة لحظة وعي جماعي، نستخلص منها دروساً واضحة:

· *لا استقرار بلا عدالة:* فالتجربة أثبتت أن أي سلام أمني مؤقت لا يدوم دون سلام اجتماعي قائم على العدالة.
· *التنوع قوة وليس نقمة:* لقد باءت بالفشل كل محاولات صهر التنوع السوداني الثري في بوتقة أحادية، لذلك الاعتراف بالتعددية واحترامها هما طريق النجاح الوحيد.
· *الديمقراطية أكثر من انتخابات:*
فهي تحتاج إلى مؤسسات راسخة وتوازنات فاعلة وثقافة سياسية متجذرة، وليست مجرد صناديق اقتراع دورية.
· *الوحدة قرار شعبي:* فوحدة السودان لا يمكن أن تفرض بالقبضة الأمنية، بل يجب أن تنبثق من إرادة شعبية حرة تقوم على المصالح المشتركة والقناعة الراسخة بالمواطنة المتساوية لدي الشعب السوداني.
· *لا مستقبل دون الشباب:*
التحديات المعقدة التي يواجهها السودان تتطلب طاقة متجددة وأفكاراً خلاقة، لا يمكن أن تأتي إلا من خلال إشراك حقيقي للشباب في كل مراحل البناء وصناعة القرار.

إن الاستقلال الحقيقي الذي تنشده الحركة هو بناء دولة تنصف مواطنيها، وتحفظ كرامتهم، وتؤسس لسلام عادل ودائم، وتستثمر في طاقات أجيالها الصاعدة.

المجد والنصر للشعب السوداني في معركته المصيرية، والخلود للشهداء الأبرار، وعاجل الشفاء للجرحى الكرام، وعودة حميدة للاسرى والمفقودين.